محفزات الإبداع البشري

على الرغم من أن جزء كبيراً من ميكانيكية الإبداع البشري أصبح واضحاً لنا – فمثلاً، كان التأمل يُعرف منذ زمن طويل بمساعدته على تعزيز عدد من الوظائف المعرفية- إلّا أن الكثير من هذه الميكانيكية ما زالت مبهمة تماماً، وفي هذا المقال، نقدم لكم مسحاً واسعاً عن أحدث ما توصل إليه العلم حول التفكير الإبداعي.

الإبداع البشري

  1. 72٪ من الأشخلاص تراودهم الأفكار الإبداعية أثناء الاستحمام

هذه ليست مزحة! فالوقوف عارياً تحت تيار من الماء الساخن وترك العقل يسافر دون هوادة، هو بالفعل لأمر جيد لتوليد الإبداع، حيث أكد البحث في الروابط بين الإبداع والأنشطة الفردية المختلفة (بما في ذلك أحلام اليقظة والمشي)، الحدس الذي كان يراود الكثير منا، وهو أن العزلة المطلقة التي نكون فيها أثناء أخذنا لحمام الصباح تشكّل حاضنة ممتازة للأفكار الإبداعية، و(ودي ألن) ليس سوى شخصية واحدة من العديد من الشخصيات المشهورة التي تؤكد على الفوائد الإبداعية التي يمكن أن يولّدها حمام ساخن طويل في الصباح، كما أظهرت دراسة تم إجراؤها في عام 2014 وتضمنت مشاركين من مختلف أنحاء العالم بأن 72٪ من المشاركين وجودوا نوعاً من الرؤية الإبداعية الجديدة أثناء الاستحمام.

 

  1. العزلة هي المكان الذي يتولد فيه الإبداع

على الرغم من أننا يمكن أن نكون أشخاصاً منتيجين عندما نتواجد ضمن مجموعات، إلّا أنه لا يوجد شيء أفضل من العمل والتفكير بشكل منعزل، فكما اتضح، تعمل الشبكات التخيلية الأكثر إبداعية في الدماغ بشكل أفضل عندما نكون لوحدنا. وعند ذلك نكون قادرين على الانخراط فيما يسميه علماء الأعصاب “التأمل الداخلي البناء” وهي حالة نفسية ضرورية لتوليد الأفكار والإبداع، في حين أنه عندما نكون منخرطين مع العالم الخارجي، تعمل أدمغتنا بشكل أفضل فيما يخص الأشياء التي تتعلق بالاتصالات، وبلورة الذكريات، ومعالجة المعلومات.

 

  1. تجربة الأشياء الجديدة تجعلك أكثر إبداعاً

من المنطقي أن تكون الرغبة في استكشاف ومحاولة تجريب الأشياء الجديدة مرتبطة مع الإبداع، فموسيقى البيتلز الشهيرة تغيرت عندما بدأ أعضاء الفريق يجربون أدوات جديدة مثل السيتار والميلوترون.

كما اتضح، فإن هناك أساساً علمياً عصبياً يعد رئيسياً لارتباط الانفتاح على التجارب الجديدة والتفكير الإبداعي، حيث يرتبط الاستكشاف بالناقل العصبي للدوبامين، الذي يلعب أيضاً دوراً في الاندفاع نحو التعلم (إلى جانب أمور أخرى)، وتسهيل اللدونة النفسية، والميل إلى الاستكشاف والانخراط بمرونة بالأشياء الجديدة، وقد بينت مراجعة للعديد من البحوث العلمية بأن الدافع للاستكشاف، في أشكاله المتعددة، قد يكون العامل الوحيد الأكثر أهمية الذي يمكنه أن يتنبأ ما إذا كان الشخص يمتلك الصفات الإبداعية أم لا.

 

  1. الوثوق بالحدس

قد تكون قصة اكتشف الكيميائي (ألبرت هوفمان) لثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك الـ((LSD، معروفة بين المهتمين في مجال الطب وثقافة المخدرات، ولكن الأمر الذي لا يعرفه الجميع هو تفصيل واحد، وهو أن (هوفمان) كان قد صاغ الـ(LSD-25) (واحد من عدة تركيبات كيميائية كان قد ابتكرها) قبل خمس سنوات كاملة، وبعدها قرر العودة لصياغتها مرة أخرى والاستمرار في إجراء التجارب معها، لماذا؟ كان ذلك مجرد حدس.

هذا النوع من الحدس، وهو شكل من أشكال التفكير الأقل من واعي، أدى إلى اكتشاف الدواء الذي كان له تأثير هائل على الموسيقى والثقافة الشعبية.

قد يكون العقل اللاواعي أهم بكثير مما كنا نعتقد سابقاً، كما يمتلك الحدس، والومضات المفاجئة من التبصر التي تتبادر أحياناً عنه، أهمية كبيرة لم يتم فهمها جيداً حتى الآن  بالنسبة لعلماء الأعصاب وعلماء النفس، حيث أشار بحث نشر في عام  1992 في مجلة (American Psychology) إلى أن “العمليات الغير واعية قد تكون في الواقع أسرع وأكثر تطوراً من الناحية الهيكلية من أنظمة التفكير الواعية لدينا”.

 

  1. تمتلك الصدمات خصائص إبداعية خفية

تمتلك بعض العقول المبدعة الأكثر احتراماً في التاريخ الحديث شيئاً واحداً مشتركاً بينها، فكل من (فريدا كاهلو)، (جون لينون)، (بول مكارتني)، (ترومان كابوت)، (روبن ويليامز)، و(جيري جارسيا) كانوا قد عانوا من نوع من الخسارة الكبيرة أو الصدمة (مثل وفاة أحد الوالدين أو أحد أفراد الأسرة الآخرين) التي كان لها تأثير على مساعيهم الفنية، وهذه ليست بمصادفة، حيث يسمي علماء النفس هذه الظاهرة بـ”نمو ما بعد الصدمة”، ففي مواجهة الخسارات الكبيرة، غالباً ما تقوم أدمغتنا باستكشاف وسائل جديدة خلاقة كجزء من عملية “إعادة بناء” حياتنا، وخصوصاً أن وجهات نظرنا، أولوياتنا، وطرق تفكيرنا بالأشياء تتغير خلال هذه الفترة، وقد تم اكتشاف وجود حالات من نمو بعد الصدمة في مئات الدراسات العلمية، بما في ذلك الدراسة التي تم نشرها في عام 2004 في مجلة (Traumatic Stress) والتي بينت بأن 70٪ من الأشخاص المشاركين الذين مروا بنوع من الخسارة أو الصدمة في حياتهم شهدوا نوعاً من التغيير النفسي إيجابية بعد تجربتهم المؤلمة.

 

  1. تعتبر أحلام اليقظة جيدة بصورة مدهشة للعقل

قد لا ترغب في الانجراف بعيداً جداً بخيالك نحو المكان الذي يشعرك بالسعادة النفسية أثناء اجتماع مهم للعمل، ولكن أحلام اليقظة يمكن أن يكون لها فوائد إيجابية بشكل غير متوقع على الناحية الإبداعية من حياتك، ففي الوقت الذي قد يبدو فيه بناء القلاع في مخيلتك أمراً مثمراً للغاية عندما تكون جالساً على مكتبك، فإن هناك في الواقع المزيد من الأمور الأكثر أهمية تجري داخل رأسك.

وفقاً للتجارب العلمية التي تم إجراؤها على أحلام اليقظة، فإن هذه اللحظات توفر نوعاً من فترة الحضانة العقلية التي يمكن أن تعزز من التفكير الإبداعي والتخطيط على المدى الطويل، بالإضافة إلى الوعي الذاتي، وقد قام علماء النفس بدراسة مفهوم “البناء الإيجابي لأحلام اليقظة” لعقود من الزمن، واستطاعوا من خلال ذلك الكشف عن مختلف الطرق التي يكون فيها التفكير دون هدف أمر حيوياً للخيال والتفكير الخلاق.

 

  1. بعض من أفضل الأفكار الإبداعية تم السخرية منها قبل أن يتم تبجيلها

يعج التاريخ بالأمثلة على الاكتشافات والأفكار التي تم رفضها في البداية قبل أن يتم قبولها كمعيار ثابت، فعلى سبيل المثال، تمت إدانت (غاليليو) لنشره اكتشافات فلكية تتعارض مع اللاهوت الكاثوليكي في ذلك الوقت، كما وقد تم إدخال الطبيب المجري (أجناتس سيملفيس) إلى مأوى المجانين بعد أن خسر وظيفته لاقتراحه في القرن الـ19 فكرة متطرفة تقول إن العدوى يمكن أن تنتشر عن طريق الجراثيم التي توجد على أيدي الأطباء في المستشفيات، وفي عام 1600، تم إحراق الفيلسوف (جيوردانو برونو) في كفة ميزان لبدعة اقتراحها تقول بأن الكون قد يكون غير متناهٍ.

كما اتضح، فإن هذه المقاومة للأفكار الجديدة غير التقليدية تمتلك أسساً نفسية، وقد استمرت لتكون كذلك حتى العصر الحديث، ففي عام 2009، تناول بحث نشر في مجلة (Scientometrics) أمثلة لأفكار حائزة على جائزة نوبل والاكتشافات التي تمت مقاومتها في البداية من قبل المجتمع العلمي، مما يدل على وجود نمط منهجي للشكوك موجهاً ضمن نظريات التحدي النموذجية.

هذا الاتجاه لم يأتِ من قبيل المصادفة، حيث أجرى علماء النفس في جامعة كورنيل دراسة أظهرت أن لدينا تحيزاً ضمنياً ضد الأفكار غير التقليدية والتي تبدو غير عملية، ويبدو بأن هذا الميل يمتد عمقاً في تاريخنا، حيث أظهرت الدراسات بأن الأشخاص في الخمسينيات من القرن الماضي كانوا لا يزالون يقارنون الآراء والاكتشافات العلمية بوجهات النظر الشعبية، وتشير الأبحاث إلى أن النزعات غير التقليدية التي قد تكون لدينا في كثير من الأحيان في فترة الطفولة غالباً ما يتم نزعها منا من خلال التعلم البصمي والتعليمات المباشرة المستخدمة في المدارس، والتي قد تقمع أساليبنا الاستكشافية والإبداعية في التفكير والتعلم، وقد تبين أن المعلمين بشكل عام يفضلون الطلاب الذين يظهرون حداً أدنى من القدرات الإبداعية أكثر من غيرهم.

مصدر 

ترجمة

الرابط المختصر:

اترك رد